عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

49

معارج التفكر ودقائق التدبر

المكتوبات الّتي يقرؤها ، لأنّ فقرات المعرفة الّتي يستفيدها القارئ من قراءاته تفتح له بمعونة اللّه وإلهامه وتوفيقه أبوابا ومسالك لاكتساب معارف أخرى ، لا تدلّ عليها المكتوبات ، ولكن تجرّ إليها السلاسل الفكريّة المترابطة الّتي يتابعها الذهن ، متى أمسك بحلقة من حلقاتها ، ويكون هذا ضمن أنظمة اللّه السببيّة . فاللّه سبحانه هو الأكرم من كلّ كريم ، فلا يقتصر عطاؤه على حدود ما يطلب القارئ الوصول إليه من المعاني الّتي تدلّ عليها الألفاظ المكتوبة ، بل يزيده من كرمه العظيم فيوضأ من المعارف فوقها ، على مقدار ما تستوعب آنيته الفكريّة . * * * قوله تعالى : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) . أي : الّذي جعل من وسائل اكتساب المعارف والعلوم وسيلة القلم ، فبالقلم تدوّن المعارف والعلوم المكتسبة بالإدراك الحسّيّ ، أو الاستنتاج العقليّ بالتأمّل الفكري ، أو الخبر الصادق ، فتكون جاهزة للقراءة ، فيستفيد القارئون ما سبق أن دوّن بالقلم ، ويستذكر بالقراءة الّذين سبقت لهم المعرفة ، ولكن نسوها أو نسوا شيئا منها ، إذ الكتابة المحفوظة من فساد خطوطها أو صحفها لا تتعرّض للنسيان ، لكنّ الأذهان والذاكرات الإنسانيّة تنسى ما سبق أن تعلّمته ، فهي بحاجة إلى مكتوب محفوظ لا يتعرّض للنسيان . وتعليم اللّه بالقلم قد حصل بخلق الناس مستعدّين لاكتساب وابتكار صنعة الكتابة والقراءة ، وبإلهامهم أن يضعوا الرّموز الخطيّة للحروف والكلمات والأعداد ، أو بالوحي إلى بعض أنبيائه أن يكتب ويقرأ ويعلّم قومه أصول الكتابة والقراءة .